أُفضِّلُ دائمًا أن أخاطب بكلماتي القلب والعاطفة، وذلك أنه في اعتقادي أن للقلب التأثير الأقوى في الإقناع العقلي، كما أن العقل ربما يقتنع ولكنه يعجز عن التطبيق؛ لأنه غير محبٍّ لهذا الشيء، ولم يطمئن إليه نفسه.
غير أني في مقالي هذا سأحاول أن أستدعي عقلك كما أستدعي قلبك، وأن تكون معي بكلِّ حواسك، تقرأ ما أكتب وكأنك تسمعني، تناقشني وتبدي آراءك وكأنك تجلس معي، تجيب عن أسئلتي كلما طرحتها عليك، ولا مانع أن تعترض إذا ما وجدت ما لا يروق لك، وتسجل ذلك إن أردت.
إن إنتاج رغيف واحد من الخبز يحتاج إلى فريق عمل متكامل يبذُلُ من الوقت والجهد حتى يخرج إلينا في الصورة التي نراه عليها، فهو يحتاج ابتداءً إلى مَن يزرع قمحه ويرعاه، ويحتاج إلى من يحصده ويدرسه، ويحتاج إلى من يطحنه ويعجنه، ثم يحتاج إلى فرَّان يخبزه، وبائع يسوقه.
كل هؤلاء إن لم يقوموا بدورهم أو أخلوا بضروريات صناعته، أو كانوا هم شركاء متشاكسون، فإننا ربما لا نحصل على هذا الرغيف، وربما خرج إلينا بصورة لا نستسيغها ولا نقبلها.
هذا لإنتاج رغيف خبز واحد، فكيف بأعظم الأعمال وأجلها، وأحسن المهن وأحبها إلى الله، وهي العمل في مجال الدعوة إلى الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت).
إن عملاً مثل هذا يحتاج رجالاً مؤمنين، ينظمون أنفسهم ويستفيدون من طاقاتهم، ويستغلون قدراتهم، ويوظفون إمكانياتهم وفق آلية معينة يتفقون عليها، ويضعون ضوابطها، ويرسمون طريقها ومنهاجها، ويرضون بكلِّ هذا ويلتزمون به، ويحملون أنفسهم على العمل والتضحية في سبيل تحقيق غايتهم، والوصول إلى أهدافهم، ويتجاوزون أي خلافات فرعية في الرؤى الفكرية، أو الوسائل الدعوية، أقول هذا رغم علمي بأن هذا معلوم من فقه الدعوة بالضرورة، فمجد الإسلام الغائب، وثروات بلاده المنهوبة، وخلافته المفقودة، يُستحال أن يدَّعي فردٌ أيًّا كان وصفه، وأيًّا كانت قدراته وإمكانياته أنه قادر بمفرده على تحقيق هذا الحلم، حلم استعادة الأمجاد.
والحقيقة الثابتة لدى الجميع أن المصاعب التي يواجهها المسلمون لا يناسبها التفرق والتشرذم وكثرة التجمعات، كما أنها لا تحل بجهد شخص بمفرده ولا بتفكيره المجرد، بل إن الفرد نفسه أثناء سيره في طريق الدعوة يحتاج إلى غيره فيما يقابله من متاعب ومصاعب، فهو بحاجة إلى من يناصره، وبحاجة إلى من يؤازره، وبحاجة لمن يرسم له الطريق، ويوضح له الدرب.
والفرد مهما بذل من جهد فلن يرقى عمله مهما ارتفع إلى مستوى العمل الجماعي، ولن يصل بتخطيطه مهما كانت قدراته العقلية إلى مستوى التخطيط الجماعي؛ لأن الآراء والأفكار تُقلب في مطبخ العمل الجماعي على جميع الوجوه، وتستفيد من جميع العقول، وتستغل كل الخبرات، بينما العمل الفردي والجهد الفردي قليل الثمرة عديم الجدوى ضئيل النفع قريبة نهايته سريع اضمحلاله.
إذن فضرورة العمل الجماعي لا يختلف عليها اثنان، ودوره في إنجاز المهام لا ينكره أحد، لذا فإن هذا العمل الجماعي لا بدَّ له من ضوابط تحكمه ولوائح تنظمه، وأخلاقيات يلتزم بها كل من رضي أن يعمل داخل فريق أو ضمن مجموعة، خاصة إذا كان هذا الفريق وتلك المجموعة تعمل من أجل غاية عظيمة وهدف سامٍ هو مرضاة الله رب العالمين:
(1)
التفاهم والانسجام
العمل الجماعي يعني اشتراك أكثر من فرد في إنجاز مهمة أو عدة مهام، ومما لا شك فيه أن هؤلاء الأفراد إن لم يكونوا متفاهمين فيما بينهم، منسجمين في أفكارهم، متناغمين في آرائهم، يحترم كل منهم رأي الآخر، فإن هذا العمل سيصاب بالشلل وتتوقف ماكيناته عن الإنتاج.
والاختلاف والتنافر هما الفرق بين الانسجام والتفاهم وشتان بين الاثنين، فالاختلاف والتنافر يورثان الكره والبغض والحقد والحسد، ويُستحال أن يثمر معهما عمل أو يتقدم بهما نظام.
وحسن الخلق هو الكفيل والضامن لتحقيق الانسجام والتفاهم، فنفورنا من شخص ما وكثرة اختلافنا معه يجعلنا لا نقبل منه كلامًا ولا نسمع له قولاً ولا نرغب في صحبته ونرفض الاحتكاك به؛ خوفًا من سوء أدبه وتجنبًا لإساءته.
والأخ المتفاهم هو ذلك الأخ الذي يألفه إخوانه ويحبونه ويتقربون منه، ويكسب ثقتهم ويحظى بقربهم، يستشيرونه في أمورهم العامة والخاصة، الكل يتمنى أن يكون من رفقائه في أي نشاط، وشركائه في أي عمل، يقبلون منه السقطة، ويقيلون منه العثرة، ويتحملون منه الشدة، وكيف لا وهذه النوعية من الناس هي من اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لتكون من أحب الفئات إليه، يقول صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة"، وأعادها مرتين أو ثلاث – قالوا: نعم يا رسول الله ،قال: "أحسنكم خلقًا.." (1). وزادت في رواية "الموطَّؤون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون" (2).
وأما من كان سلوكه وخلقه غير ذلك فلن يستطع أن يؤدِّي رسالة ولن ينهض بعبء، وسيصير مرفوضًا من إخوانه ".. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" (3).
وعلى الأخ أن ينأى بنفسه أن يكون ممن يتقيه من حوله لشره وسوء خلقه، ويستميلونه بلين الكلام وحسن المعاملة مخافة فحشه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بئس أخو العشيرة"، فلما دخل انبسط إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه فلما خرج قلت يا رسول الله لما استأذن قلت بئس أخو العشيرة فلما دخل انبسطت إليه؟ فقال "يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش المتفحش" (4).
(2) الابتسامة
وإن من وسائل تحقيق التفاهم والانسجام طلاقة الوجه، فالأخ طليق الوجه والذي تعلو وجهه الابتسامة المشرقة، ويُعرف بالبشر في طلعته لهو أخ تستريح النفس برؤيته ويسعد القلب بلقياه، وتطيب الروح بالتعامل معه، مما سيكون له بالغ الأثر في إحداث التناغم بينه وبين إخوانه، ولذلك كان التوجيه النبوي: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" (5).
فالابتسامة التي قد يهملها البعض لتصنع العجب العجاب في نفوس الآخرين، كما ذكر الصحابي الجليل جرير بن عبد الله أنه قال: "ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم" (6)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط" (7).
(3) خفة الظل
والأخ خفيف الظل كثير المرح هو الأخ القادر على تحقيق أكبر قدر من التفاهم والانسجام بين فريق العمل عن غيره، والأخ الذي نقصده بخفة الظل وكثرة المرح أخ متوازن فهو لا يغلو ولا يشتط ولا يؤذي الآخرين بمزاحه.
كما هو لا يقسو ولا يتزمت ولا يتجافى في جده، ولقد تعجب الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من مداعبته لهم فقالوا له: إنك تداعبنا!! فقال: إني لا أقول إلا حقًّا"(8).
ولهذا لم يجد الصحابة رضوان الله عليهم حرجًا في المزاح والمداعبة، أخرج البخاري عن بكر بن عبد الله قال "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" (9) يتبادحون: أي يترامون.
إن خفة الظل ومرح النفس وجمال الروح لصفات تكسب صاحبها دماثة في الخلق ومحبة في القلب يستطيع من خلالها غزو النفوس غزوًا وأسر














































