يقذف الله سبحانه وتعالى النور في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، فتخرج من القلوب ومضات تظهر على جوارحهم، وتهديهم إلى الصراط المستقيم، فيكون من أمامهم نور، ومن خلفهم نور وعن أيمانهم نور، وعن شمائلهم نور، ومن فوقهم نور، ومن أسفلهم نور، وتكون كل حياتهم نورًا.
ولقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية أوصاف لهذه القلوب بأنها: تقية وجلة خائفة مشفقة، ومطمئنة صابرة مرابطة، ورقيقة لينة رحيمة، ونقية سليمة طاهرة، ومتآلفة، متحابة، متآخية، ومهدية، واعية، يقظة، حية…
يعيش صاحب هذه القلوب بين الخوف من الله، والرجاء في عفوه ومغفرته، فهو كثير الذكر والدعاء والاستغفار، أواب تائب، يحب لقاء الله لأنه أحب الله، تُقْبَض روحه وهى راضية مرضية.
يحتاج المسلم إلى معرفة صفات هذه القلوب حتى يعمل ليكون منها، ولقد وردت هذه الصفات في كتاب الله عز وجل، وبَيّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وشرحها أهل الصلاح والتقوى من العلماء، ودعا بها الداعون إلى الله بالقول والعمل والقدوة الحسنة.
وسوف نبين في هذا المقام هذه الصفات، وإظهار ومضاتها لتثبيت قلوب المؤمنين على الحق، ولإرشاد العاصين إلى طريق النور المؤدي إلى مرضات الله، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الومضات هادية لقلوبنا إلى حب الله، وحب رسول (صلى الله عليه وسلم)، وفيما يلي هذه الصفات:
أولاً: قلوب نقية وجلة خائفة:
من صفات المؤمنين كما ورد في القرآن الكريم ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 2)، فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿…وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ….﴾ (الحج)، هؤلاء المؤمنون وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾ (المؤمنون)، ولقد وضح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الآية الأخيرة بقوله: "الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألاّ يتقبل الله منهم" (رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها)، ومن شدة خشيتهم من الله عز وجل نجدهم يسارعون إلى عمل الخيرات ويخافون أن لا يتقبل الله منهم ذلك، وفي هذا المقام يقول الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًًا وشفقةً، وإن الكافر جمع إساءةً وأمنًًا) (تفسير ابن كثير جزء 3 صفحة 237).
ولقد ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله: (والله لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة)، كما ورد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (لو قيل إن كل الناس يدخلون الجنة إلاّ واحد، لكنت أنا هذا الواحد)، وهو من المبشرين بالجنة.
وعلى المسلم التقي أن يسارع في عمل الخيرات ويدعو الله خوفًا وطمعًا، كما ورد في قوله تبارك وتعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (السجدة: من الآية 16)، وعندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظ الصحابة، تأثرت قلوبهم وأدمعت عيونهم، فعن أحد الصحابة رضي الله عنه أنه قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وأدمعت العيون".
ثانيًا: قلوب مطمئنة صابرة مرابطة:
من صفات القلوب المؤمنة: الاطمئنان بالله، صابرة عند الشدائد، ثابتة مرابطة عند الابتلاءات، لا ترتاب ولا تنحرف ولا تضل ولا تضجر، وزادها في ذلك كثرة الذكر والدعاء، ولقد بين القرآن الكريم ذلك فقال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).
وتختبر هذه القلوب بالابتلاءات كما حدث مع عمار بن ياسر رضى الله عنه الذى نزل فيه قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل: من الآية 106)، ففي هذه الآية يوضح الله عز وجل أن صاحب القلب الثابت الصابر المرابط لا يتأثر قلبه بما ينطقه اللسان لنجاة الجسد من الهلاك، ولقد روى ابن جرير عن أبى عبيده قال:"أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كيف تجد قلبك؟"، قال مطمئنُُ بالإيمان، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد".
والاطمئنان والصبر والمرابطة من ثمرات الإيمان والتقوى، ففى غزوة بدر أمَدَّ الله المؤمنين بجند من عنده لطمأنة القلوب بنصره، وفي هذا المقام، يقول الله تبارك وتعالى ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)﴾ (آل عمران)، ومن نداء القرآن للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو الله بطمأنة القلوب وتثبيتها وخشوعها، ومن هذه الأدعية:
* "قل اللهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك" (رواه الترمذي).
* "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع" (رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد).
ثالثاً: قلوب سليمة طاهرة زكية:
القلب السليم هو الذي سَلُمَ من الآفات والأمراض والأسقام، وإذا طهر القلب من ذلك طهرت الجوارح جميعًا واتجهت نحو ما يُرضىِ الله عز وجل، فالجوارح أتباع للقلب، ومن صفات المؤمنين أن الله عز وجل قد طَهَّر قلوبهم من الغل الذي هو أساس كل خطيئة، ولقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى ذلك، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)﴾ (الحجر)، وجزاء هؤلاء الجنة على سرر متقابلين.
وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو ربه ويقول: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء)، ولقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليمًا" (رواه أحمد)، ومن دعاء الصالحين الذين طهرت قلوبهم من الغل: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آم
المزيد