في كل العالم وعبر التاريخ تبقى الجغرافيا والسكان أكثر ثباتاً من الحروب والمتغيرات والسياسات المتحركة على الأرض, فهل يمكن أن يساق هذا الأمر على ما يجري في فلسطين من أحداث وسياسات, وخاصة بعد أن شاهدنا ولمسنا أن اتفاق أوسلو الذي كان في ذهنية الساسة الفلسطينيين مدخلاً للتسوية والسلام ,أصبح وبشكل عملي بمثابة حرب حقيقية من قبل الكيان الصهيوني على الشعب والأرض تدخلت فيها جميع مؤسساته العسكرية والاستيطانية والأمنية….، وتفاعلت معها وقادتها جميع أحزابه المتكاملة والمنقسمة والمعارضة, وذلك لإبعاد شبح الفلسطيني وخطره عن هذا الكيان, من خلال انتهاج سياسة الفصل والإبعاد والحصار لإضعاف هذا الوجود خدمةً لقيام هذا الكيان العنصري الصهيوني على كامل أرض فلسطين ,لقد حقق هذا الكيان نجاحاً ملحوظاً, وقطع أشواطاً وكسب جولات الحرب جميعها على الأرض الفلسطينية, فقد استطاع تقسيم الشعب الفلسطيني الموجود على أرض فلسطين التاريخية إلى ثلاثة أقسام بعد أن كان قبل أوسلو نموذجاً بما يمتلكه من وعياً وطنياً وإرادة راسخة, تعمقت من خلال مواجهة الكيان لتحقيق المصير المشترك, ومواجهة سياسة الكيان التي كانت تستهدفه بشكل يومي وكان هناك تواصلاً وتشبيكاًَ بين جميع أبناء الشعب الفلسطيني الموجودين تحت الاحتلال, فكانت الانتفاضة الأولى حركة شعبية هزت الأرض تحت هذا الكيان, وخاصة بعد أن أصبح أكثر من نصف السكان الموجودين في فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني, أي أن هناك خطراً ديموغرافياً يهدد مصيره, لان السكان العرب يرفضون سياسته العنصرية ويطالبون بحقوقهم السياسية والإنسانية.
بدأ الكيان حربه الجديدة على الشعب الفلسطيني وما تبقى من الأرض التي يمتلكها, عبر سياسة الفصل التخلي عن مسؤوليته اتجاه السكان العرب في الضفة وغزة (اتفاق أوسلو) كمقدمة لحصار هذا الشعب ونزع منه أية مزايا قوة أو تأثير فعلي على الأرض أو على السياسة الصهيونية, أي العمل لكي يكون مغيباً, من خلال إضعافه أو تقسيمه وحصاره ومنعه من التواصل لإعدام أية إمكانية لتشكيل رؤية حقيقية يواجه فيها هذه الحرب الصهيونية, وهذا ما قام به الكيان فقد استطاع حصار الشعب الفلسطيني ضمن دوائر صغيره مليئة بالحواجز ومحاصرة بالجدران، وحيث لا يمكنها أن ترتقي أو تنهض أو تتطور, وبحيث لا يشكل خطراً على مخططات الكيان العنصرية, وعمل الكيان على أن لا تصل هذه الدوائر إلى تنظيم نفسها كي تصبح دولة مستقلة, إلا أنه فسح المجال وبشكل محدود لإدارتها ذاتياً, وبشروط صهيونية متغيرة وغير ثابتة, وتتناسب مع سياسته التي تعتمد على تثبيت الوقائع (مستوطنات ومستوطنين) للمناطق التي يرى أنها تحقق أهدافه أي أنه يتبنى سياسة (الضم الزاحف) التي اعتمدها موشيه ديان, مطعمة بالاستبعاد والحصار, بحيث لا يستطيع العرب والغرب مسايرة ومتابعة ما يجري على الأرض من متغيرات خطيرة تقضي على السكان وتحاصرهم عملياً وتكسب هذا الكيان المزيد من الأرض التي يحتاجها لاستكمال نفوذه المطلق عليها.
استمر الكيان في سياسة القضم والاستيطان بهدوء إلى أن جاء اتفاق أوسلو حيث برزت سياسة جديدة للهروب من تحقيق بنود هذه الاتفاقية, وهي سياسة الانفصال أحادي الجانب أو سياسة (لفظ قشر الليمون) والتي اعتمدها آرئيل شارون, وتبينت واتضحت هذه السياسة بالانسحاب أحادي الجانب من غزة, والإسراع ببناء جدران الفصل العنصرية, ومجموعات هائلة من المستوطنات إضافة إلى سياسة تهويد غير مسبوقة في النقب والجليل والقدس, إضافة إلى تبني سياسة الفك والتركيب والقبضة الحديدية على التجمعات الفلسطينية التي أصبحت معزولة ومحاصرة في غزة والمدن الفلسطينية في الضفة, وكل ذلك يمارس تحت غطاء المفاوضات والتي تسعى شكلا ً لإنتاج واقعاً أفضل لهذه التجمعات الفلسطينية, وهي صاحبة الحق التاريخي في الأرض, لكن الحقيقة الواضحة والتي لا يستطيع أحد إخفائها, أن هذه المفاوضات الغير مجدية, وما أنتجته على الأرض من سلطات فلسطينية متنازعة حول رؤيا غير واقعية أو واضحة في الذهن الصهيوني أدت بالفعل إلى إرهاق وإضعاف المجتمع الفلسطيني, حيث كان للقوى الفلسطينية دور رئيسي في مضاعفة هذا الوهن, الأمر الذي ساهم في تجرؤ هذا الكيان على القيام بأعمال وممارسات لم يكن قادته قد وضعوا جدولاً زمنياً للوصول إليها, أي أن السياسة الفلسطينية الضعيفة سرعت في إنتاج سياسة صهيونية كامنة وممارسة مخططات كانت مغمورة في العقود السابقة, إلا أن هذا الضعف الفلسطيني والعربي والتعامي الدولي عن ممارسات الكيان شجعه على حرق مراحل كان يحتاجها لاستكمال مشروعه على الأرض والسكان العرب.
إن الكيان الصهيوني ومن خلال حربه العنصرية التي تنتهجها ويمارسها بشكل يومي, لا يسعى فقط لامتلاك الأرض وتهميش السكان العرب المقيمين على أراضي 1948, بل يعمل لعدم تمليك هذا الشعب أي من مزايا القوة على الأرض, التي تم فصلها تحت ذريعة تنفيذ جزء من اتفاقيات السلام, فهو يتابع من خلال جميع مؤسساته الاقتصادية والأمنية والاجتماعية أيضاً أية متغيرات ممكن أن تساهم في تطوير المجتمع الفلسطيني, وبالتالي يعمل لسحقها ودفنها حتى لا تشكل عامل يعيق سياسته التي تهدف إلى عدم تمكين هذا الشعب من إدارة شؤونه حتى الذاتية منها بشكل صحيح, ورغم ذلك فإن مجموعة المنخرطين في السلطة الفلسطينية في غزة والضفة, يعلمون أنهم داخل متاهة تتحكم في مساراتها الإدارة الصهيونية, وهم غير قادرين على الخروج منها أو رفضها بالمطلق, فهم يتلوون ويتلونون داخلها, دون أن يمتلكوا أية إرادة فعل حقيقية قادرة على فرض وقائع تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني.
إن ما تملكه سلطة غزة من مزايا قوة, لا يخولها إلا إدارة غزة أمنياً وإعاقة أي تقدم ممكن أن ينجز في الجانب الآخر, وهي ت
المزيد